لقاء الفنان عباس النوري مع مجلة قبل الأولى ( avant premiere )

النجم السوري عباس النوري

في حوار لمجلة  ( قبل الاولى )

لو كنت تونسيا لما أحرقت نفسي .. وأعيش محكمة دائمة في حياتي الزوجية

تونس قبل الاولى :

هو نجم من نجوم العصر الذهبي للدراما السورية , سطع اسمه بقوة في سماء الفن خلال السنوات الأخيرة وترك بصمته في الساحة الفنية العربية .. هو فنان ومثقف يحمل هم وطنه الجريح ولا يؤمن بالمستحيل لأنه يعتبر أنه لا وجود للمستحيل أمام إرادة الناس للحياة .. اشتهر منذ سنوات بشخصية ( أبو عصام ) في العمل الشهير ( باب الحارة ) الذي لاقى إقبالا كبيرا في أوساط الجماهير العربية .

ومن أشهر أعماله التلفزيونية كذلك ( ليالي الصالحية ) و ( على حافة الهاوية ) و ( الاجتياح ) .. وهو أيضا رجل صادق في حياته وطبيعي جدا ولا يطلب إلا أن يعيش بكرامة .. إنه الممثل والكاتب والمخرج السوري عباس النوري الذي التقيناه على هامش زيارته لتونس فكان لنا معه الحديث التالي :

  • في البداية لو تحدثنا عن جديدك ؟

انا بصدد التحضير للجزء التاسع من مسلسل ( باب الحارة ) فهذا العمل يتمتع  بنسب مشاهدة عالية في العالم العربي . وهذا بقدر ما يسعدني بقدر ما يحملني مسؤولية كبيرة لأنه عمل جماهيري وكل مشهد فيه يمثل اختبارا حقيقيا أمام الجمهور لذلك فإن كل فنان مشارك في هذا العمل لابد أن يشعر بالخوف والمسؤولية .

 

‘‘ انا بصدد التحضير لمسلسل << باب الحارة 9 >> ‘‘

  • بكل صدق , ما مدى رضاك عن الجزء الثامن من مسلسل << باب الحارة >> ؟

رضا الناس غاية لا تدرك .وبطبيعة الحال لا يفيد رضانا من عدمه . بقدر ما يفيدنا رضا الناس . وأنا أعتقد أن << باب الحارة >> هو دائما أمام محكمة الجمهور وهذا الجمهور لدية اذواق مختلفة وهو مسلسل اختلفت عدد حلقاته التي بلغت العشرات وأعرف جيدا أن ليس كل الحلقات نالت رضا الجمهور الذي كانت له أراء مختلفة حول هذا الجزء او ذاك وهذا حقه الطبيعي لا يمكن لأحد أن يصادره او ينتقده .

وأنا شخصيا ما يشجعني في < باب الحارة > تحديدا هو حجم المتابعة وإن كانت الأراء متباينة فإن حجم المتابعة يبقى كبيرا جدا ويجب أن نستغل هذه الجماهير لتقديم ما هو أفضل .

وأنا حجم مسؤوليتي تنحصر في كوني ممثل لشخصية رئيسية في هذا العمل وهي < أبة عصام > ومشكلتي في < باب الحارة > تحديدا أن الناس تحملني مسؤولية نجاح المسلسل أو جماله من عدمه ..لا كن في الحقيقة فإن <باب الحارة>

يضم مشاركين أساسيين فيه ولست أعمل بمفردي بل في وسط فريق متألف ومتجانس وذلك يعني أن هناك تأليف وإخراج وممثلين آخرين إضافة إلى ديكور الموسيقى والأعمال الفنية لكن الجمهور لا يعرف كل ذلك وهو يحاكمني أنا بذات . وأنا في المقابل أقبل هذه المحاكمة بصدر رحب .

وأعتبر أن كل إنتقاد شخصي موجه لي هو انتقاد  لـ < باب الحارة > وهذا من حق الجمهور , وأنا من جهتي أبذل طاقة وأتعب على مشروعي ولا أقدمه بشكل مجاني على الإطلاق .

 

  • هل تعتبر أن للفن خطوطا حمراء ؟

هناك خطوط حمراء في كل شي وأنا أعتقد أنه في بعض الأحيان يجب أن تكون هناك خطوط حمراء للفن فمن غير المعقول أن نقدم ما يعاكس قيم الشارع او ثقافة المشاهد

 

  • نلاحظ هذه السنة انتعاشة في الدراما السورية للموسم الرمضاني . فحسب رأيك ما سبب هذه الانتعاشة ؟

هي ليست انتعاشة كاملة لكن هناك محاولات لتقديم أكثر ما يمكن تقديمه في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا .. فنحن نعمل بشكل نقصت فيه خياراتنا على أكثر من صعيد سواء كانت في الرواية أو اللإخراج أو أماكن التصوير أو الممثلين أو حتى على مستوى الإنتاج لكن في نفس الوقت السوريون مازالوا يبذلون جهودا مضاعفة لتقديم ما هو أفضل وهذا رأيي الشخصي . ففي المشهد الفني السوري اليوم نعاني من النقص الحقيقي بسبب عدم وجود مجموعة من النجوم على مستوى النص والتأليف وعلى مستوى الإخراج والتمثيل أيضا .

 

‘‘ لا أؤمن بالمستحيل ‘‘

  • أنت معارض للمسلسلات التركية التي غزت الفضائيات العربية لكن هناك من اعتبر أن سبب انتشارها هي دبلجتها باللهجة السورية . فما هو تعليقك ؟

اللهجة السورية محببة لدى الجمهور العربي وتعود عليها . وأنا أنتقد الأعمال السورية نفسها وليس فقط التركية لكن هذه الأخيرة أعتبرها أعمالا فارغة تقدم ما هو غير متاح من أعمالنا العربية . فهل يمكن أن يقبل المشاهد لمسلسل عربي أن تعود أبنته حاملا لأبيها دون زواج ؟ . أكيد لا فالجمهور العربي يقبل هذا في المسلسل التركي وهو مجتمع إسلامي ولا يقبله في عمل عربي رغم أنه يحدث في الواقع . بما يعني أن التركي يقدم له جرعة الحلم المشتهى من بنات جميلات وأماكن جميلة وأزياء جميلة وغيرها . فكل الفتيات العربيات أصبحن يتمنين أن يكن مثل بطلات الأعمال التركية وهي شخصيات فارغة وتافهة على المستوى الاجتماعي .

 

  • تباينت أراء ومواقف الفنانين السوريين من الأزمة . فهل أثر ذلك على العلاقة بين الفنانين السوريين ؟

بالتأكيد أن هذا الأمر انعكس على بعض الفنانين لكننا في سوريا نفتقد لمن يدير حوار حقيقي ومجد مع الناس ..

وكان لنا قبل الأزمة خلافات كثيرة في الوسط الفني والثقافي وكل هذه الخلافات والاختلافات كانت تتقلس حوارا مجديا بين مختلف الأطراف فهو الذي يعطينا نتائج أفضل وهذا الحوار كان يجري في كثير من الأحيان فأنا كنت أختلف مع البعض في الرؤى الفنية وغيرها لكن هذا الخلاف كان يوضع في مكان معين للحوار حوله فكنا نصل من خلال هذا إلى نتائج . لكن الأن لا يوجد في سوريا من هو قادر على إدارة هذا الحوار خاصة وأن الخروج منها أصبح له شكل سياسي خاطئ إلا من بعض الأشخاص ورغم ذلك فأني أحترم هذا الاختلاف وإن كان سياسيا .

‘‘ المسلسلات التركية تقدم جرعة الحلم المشتهى للمشاهد العربي ‘‘

لا أحد من كل السوريين في الخارج من المثقفين والفنانين يمكنني اتهامه بأنه يطلق النار على سوريا .. نقابة الفنانين بسوريا ليست جديرة بإدارة هذا الحوار وإنما هي  تأخذ موقفا حاسما وحازما في العداء لمن غادرو البلاد من الفنانين و وزارة الثقافة أيضا ليست  جديرة بإدارة الحوار لأنها تأخذ هذا الجانب من الموقف بشكل من الأشكال .

فأنا شخص أعيش داخل سوريا ولا أنتمي للنظام وأعارضه كما أريد لكن في نفس الوقت أرى أن الحوار يمثل حلا ولا بد منه حتى نصل إلى نتائج نستطيع أن نعلن فيها مسؤوليتنا تجاه هذا الوطن الذي يجمعنا .

 

  • ما هو موقفك الشخصي من الأزمة السورية ؟

موقفي ليس سياسيا ونحن في سوريا أمام معطيات تتحدد .وفي كل يوم تكتشف أننا أمام أزمة لها أوجه مختلفة فنحن استيقظنا بداية الأزمة على إشكال سياسي بين مجموعتين من الناس ومن قطاعات الشعب خرجت لتقول رأيا معينا فاستغلها البعض . وهذا الاستغلال جعلها تحمل السلاح لتشهر اثر ذلك السلاح على الدولة التي بدورها ردت بسلاحها في وجوههم وبدأ العراك .. ونحن الشعب لم يزودنا أحد بأية حقيقة وحتى الإعلام كان يصب كل جهده لتقديم المزيد من الأكاذيب وهذه الأكاذيب كنا نراها في الشارع وكانت هناك حالة <تهيج> وفي المقابل الجريمة الأكبر برأيي أن الإعلام السوري لم يقدم جرعة حقيقية من الواقع إنما كان دائما يقدم نفسه على أنه يتكلم باسم الدولة وهو إعلام رسمي وليس إعلاما حرا . نحن اليوم بحاجة لمن يقول بشكل حر كل ما يجري في سوريا .. الأزمة تفاقمت ودخل فيها إرهابيين على الخط ومصالح دول إقليمية ومصالح دول عالمية ولا نعرف اليوم من سيرسم مستقبل سوريا . عمليا سوريا دمرت ولكن السوريين قادرون على إعادة إحيائها وأنا واثق من قدرة شعبنا على فعل هذا الشيء . سر قوتنا في تنوعنا فنحن حوالي 79 طائفة وسوريا تجمع قوميات مختلفة ومتنوعة . وأعتبر أن أي محاولة لثني السوري عن هذا التنوع هو تشكيل لإسرائيل أخرى داخل نفس السوري فنحن تناقضنا الرئيسي مع إسرائيل وليس مع أي مكون أخر في حياتنا الوطنية ..الان أصبح لدنيا < داعش > يعني إسرائيل ضارب اثنين ويجب علينا مواجهة الجميع .

 

  • وكيف هي الأوضاع في سوريا اليوم ؟

أنا أعيش في دمشق والحالة هناك هادئة ومطمئنة والأمور يبدو في شكلها الظاهر أنها تسير على ما يرام لكننا قبل أن نسأل عن أحوال الطقس في دمشق يمكن أن نعرف ذلك من خلال طقس موسكو وطهران والرياض أو جدة واسطنبول أو أنقرة ونيويورك وكل البلدان التي تتدخل في المجال الجوي وحتى المناخي في سوريا .فمن الصعب أن نعرف أحوالنا كسوريين قبل نعرف أحوال موسكو والرياض وكل من يتدخل في الساحة السورية . ونحن كسوريين يبدو أننا من الصعب أن نجتمع لكن ليس المستحيل . فأنا لا أومن بالمستحيل لأنه لا وجود له أمام إرادة الناس للحياة فهي أهم مما يسمى ب <إرهاب الشعوب> او هذه <الزعيرة السياسية>القاهرة التي تصادر رأي الناس وتقيم المظاهرات هنا وهناك لحساب معارضة او نظام .

 

  • عباس النوري والسياسة ؟

لا علاقة لي بالسياسة ولا أحبها وأعتبر كل السياسيين كاذبين فهم خرجوا عن عباءة الثقافة وراء مصالحهم ونحن كمثقفين لا نشتري الشارع ليحبنا وينتخبنا بل الجمهور يقدر ما نقدمه ويحكم عليه لوحده أما السياسيين فيشترون الشارع ويكذبون باسمه .

 

  • حصدت عدة تتويجات و تكريمات في المهرجانات . فماذا تعني لك هذه التكريمات خاصة بعد مسيرة حافلة بالنجاحات ؟

التتويجات تحملني مزيدا من المسؤولية. وهذا ما يعنيه لي أي تتويج وأي تكريم .. النجاح في عالم التلفزيون والسينما والفن يبدو قاهرا في الحالة الإعلامية وخاصة في التلفزيون لأن الحالة الإعلامية تطغى وبالتالي يصبح الفنان مرغما بالشهرة . وتمتزج هنا المعايير ما بين الشهرة التي يوصلها التلفزيون في عروضه وما بين الاستحقاق في النجاح لهذا الفنان أو ذاك وأنا أفرق جيدا بين هذه الشهرة وبين استحقاقي في النجومية .

كما أقدر جيدا مدى محبة الناس وتحرجني هذه المسألة والتكريم يزيدني إحراجا وإمتنانا لهم وأنا سبق أن أهديت  وسأهدي كل تكريم لكل فنان يختلف معي خاصة السوري. الفنانون السوريون الذين غادروا سوريا بسبب الأزمة والأوضاع السياسية أهديتهم تكريمي في الجزائر في مهرجان <قسنطينة> وتكريمي في تونس في مهرجان الإذاعة والتلفزيون . وهؤلاء هم جزء أساسي في سوريا ولا يمكن لأحد أن يصادر حقوقهم واستحقاقهم أو أن ينزع عنهم صفة الوطنية ..وبالرغم من اختلافي مع الكثيرين منهم – وهذا حقي – إلا أنني احترم آراءهم والساحة تسع جميع الاختلافات .

 

‘‘تمنيت لو كنت تونسيا لأحافظ بكل قواي على جمال تونس ‘‘

  • بماذا يختلف عباس النوري الإنسان والزوج والأب عن عباس النوري الفنان ؟

أنا رجل صادق في حياتي وطبيعي جدا ولا أعتقد أن زواجي هو زواج تقليدي يعتقل الزوجة والأولاد في البيت . فانا المعتقل الوحيد في حياتي الزوجية .

وأنا إنسان تعتقلني ظروفي الإنسانية التي نشأت عليها وتربيت عليها وكونت شخصيتي وأنا أيضا أبحث دائما عن حقوق الحياة يعني أن حقي في الحياة وحق زوجتي وكرامتها وحقوقها الطبيعية قبلي تماما .

أنا زوج دائما أمام محكمة مستمرة . وأنا أعيش محكمة دائما في حياتي الزوجية ولا أطلب إلا أن اعيش بكرامة لا أكثر ولا أقل .

 

  • زرت تونس لمرة واحدة فقط . فكيف كان انطباعك عن هذه الزيارة ؟

انطباعي كان الإعجاب الرهيب بها . لأن تونس لا يمكن ولا يمتلك الإنسان إلا أن يحبها . ويبدو أن التونسيين لا يدركون مدى جمال بلدهم . فتونس بلد ساحر وهذا الجمال مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق كل تونسي لأنه يجب أن يحافظ على هذا الجمال .. فالجمال في بلدكم هو جمال الإنسان الذي يعرف كيف يعيش وكيف يحمي هذا العيش وكيف يؤكد أنه ينظر للمستقبل ليطور نفسه وهذه مشكلة كل العرب .. وهو ما يعني أن تونس تكاد تكون الاستثناء لأنها تنظر تنظر للمستقبل بنظرية جدية لبناء حياة مختلقة وحياة قابلة للتطور . وأنا لمست ذلك في تونس وكنت سعيدا جدا لدرجة أنني تمنيت للحظة من اللحظات لو كنت تونسيا . فلو كنت تونسيا لما أحرقت نفسي وحافظت بكل قواي علي هذا الجمال الذي كون هذا المجتمع الجميل وكل هذا التاريخ وهذه الثقافة .. أحببت تونس والتونسيين كثيرا وأنا اشكر كل من دعاني وكل من أقدم على ضيافتي وكل من رعى وجودي في تونس .

 

  • كلمة لتونس وللجمهور التونسي ؟

أنا أشعر بسعادة كبيرة عندما أتحدث عن تونس . فهي <حلوة برشا> وجديرة بالحياة <برشا> وقابلة للتطور <برشا>

وهذا ما نفتقده نحن في حياتنا . ومن الضروري أن تسير كل البلدان العربية إلى التطور حتى لا تظل في جلباب الماضي .

فبناء المستقبل يبدأ من محاسبة الماضي ونحن لم نحاسبه بل ورثنا بطولات و انتصارات كاذبة ومقدسات وصادروا أفكارنا فحتى إيماننا بالله ينتج عن خوف قبل أن ينتج عن محبة وبناء الحياة يبدأ بالمحبة ولا يبدأ بالخوف وعندما نلفظ هذا الخوف نبدأ ببناء أنفسنا وبالتالي نبدأ ببناء المستقبل .

أحب التونسيون كثيرا . ورغم أنني زرت تونس مرة واحدة فقط فإنه لدي قناعة كبيرة أن التونسيين جديرين بالحياة وهم أقوياء وأصحاب قيم جميلة ومتحضرة وقابلة للتطور دائما وهذا قليل ونادر في الحياة الاجتماعية في المدن العربية .

تعليقات الزوار

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *