دعونا نتحد – بقلم عباس النوري

في زمن جدي
خرج العثمانيون من ادارة حياتنا وجرب العرب حكم القبيلة فينا وأخترنا العروبة طائعين لأنتمائنا
وكان علينا ملك عربي جعلناه في دستورنا بخيارنا بعدما أتم الله على يديه بمعية الأنكليز وادارتهم
فتح البلاد السورية كلها آنذاك ………..
ثم فرضه الأنكليز ملكاً سورياً (الملك فيصل) وفوجئ الغرب كله بمدى استحقاقه الشعبي عند كل السوريين
فقط كرمى لعيون الأنتماء العربي الذي وحد التنوع السوري في اطاره …
وأقر مواطنو سوريا بأن ملكهم وان كان حجازياً (وقتها) (سعودياً الآن)- غير سوري لكن عروبته
كانت جواز سفره الى قلوبهم ووجدانهم وبالتالي اتحادهم ووحدتهم في اطار سياسي واحد موحد سمي (المملكة السورية) …
وفي زمن والدي
دخل الفرنسيون باتفاق خارجي مع الأنكليز فحارب السوريون ضد من يمنع اتحادهم بحماية مملكتهم الوليدة
وضد من جاء ليخلصهم انتمائهم الكبير للعروبة التي كان (فيصل) رمزا ملكيا لها ..
مواطنو سوريا … غلب على أمرهم وأصبحت بلادهم دولة أخرى ولم يبلغ استقلالهم مرحلة الطفولة بعد ؟؟؟؟؟
ثم فرض على ادارة شؤون حياتهم نظام جديد تحت العلم الفرنسي وغابت القيمة الحقيقية للأنتماء بغياب العلم العربي
الذي دافعو عنه ببدل الدماء في ميسلون وغيرها
من شواهد كفاحهم عبر معارك الأستقلال والحرية مع استمرار الأنتداب (المحتل) ….
وراحت العروبة ممثلة بأميرها وملكها تفاوض وتحاور وتناور خارج البلاد لتتمكن من استحقاق وجودها في قلب الشام
كمملكة للعروبة وباءت كل تلك المحاولات بالفشل وقسمت البلاد
وأصبحت سوريا عبارة عن دول متعددة ( اربعة دول ) لكنها بمجملها كانت متحدة الوجدان و القلب و الانتماء للعروبة
و رافضة للانقسام و التقسيم ……
و استمرت العروبة كلمة السر و صندوقها الاسود في قلب السوريين جميع السوريين ….
فهي وحدها حاضنة لاختلافهم و تنوعهم و حتى لتناقضهم في بعض الاحيان
و من جهة اخرى كان الاسلام حاملاً للعروبة و مفهومها ناطقا بها موحدا لقبائلها و عشائرها
و اطيافها و ثقافاتها المختلفة ….
و في زمني
افقنا على العروبة شعارا براقا جامعا وضع على كاهله كل اثقال و قضايا الامة من المحيط الى الخليج
يطالب بفلسطين ثم بالاراضي المحتلة تباعا ثم بادارة عروبية للمجتمع أخفت تحت جناحيها خبايا الشعارات المليئة بالحماس
و الاندفاع القومي …….. هذه الشعارات التي ارخت بدورها ستائرها على عيون العرب فناموا و نمنا و غفوا و غفونا
تحت غطاء الشعارات الدافئ لا نفيق منها الا مع ازدياد لسعات ووجع السياط تفاجئنا من القريب
( كأنظمة سياسية تتاجر بالشعار لتحميه منا فيما هي تحمي امتيازاتها به )
ومن البعيد ( كاحتلالات و عدوان و اعتداءات تحتل و تقضم فينا الانتماء كما تقضم قيمتنا الاساس _ الارض )
حتى أصبح انتماؤنا عرضة للشك و المسائلة و التحقيق …..
كما أصبحت الارض تنسحب من تحتنا بمزيد من الاحتلالات القائمة و القادمة على حد سواء !!!!
هل ذهبنا كسوريين إلى الوهم بذهابنا نحو العروبة ؟؟؟؟
أم أن العروبة قيمة لم نستحقها بعد ؟
و ان كل ما جرى و يجري من زمن جدي إلى زمني مرورا بزمن أبي ليس إلا تجارب أنظمة
و سلطات جربت و تجرب حكم الاستقلال بمجتمعنا السوري … فأحكمت قبضتها علينا و ساءلتنا أمام شعاراتها
و رموزها و طلاسمها بحيث أصبحت العروبة امتحانا يوميا للسوري أمام امتيازات هذه السلطة أو تلك ….
في زمني
جاء البعث عام 1963 و جاء معه حراس القومية و العروبة فحكموا وهم يحاسبون الجماهير و يحكمون باسمها ….
ومع بداية وعيي و بشهادتي أفقت على الخوف من العروبة في 23 شباط 1965 عندما هدرت دماء حكام دمشق
أمام انقلاب الشعار البعثي الذي حكم بإسم الجماهير و ما يزال ينقلب على نفسه مع كل شعار يأتي بأصحاب جدد للحكم و السلطة
على رقاب مواطني سورية ولازلت أذكر الدبابة في أبو رمانة
وقد احاطها خط أبيض كتب عليه بالأحمر و في عرض الدبابة تلك الكلمات ….
( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة )
ثم باتت العروبة مفهوما مصادرا و أثيرا لدى كل الأحزاب التي تقدمت و شاركت معلنة برامجها و مبادئها المختلفة
في كل شيء إلا بمفهوم العروبة الذي لابد من جعله سلطانا قائما بشكل دائم على رقاب الجماهير كي تحمي امتيازاتها ….
و صارت الأحزاب تأخذ مقراتها و سياراتها و مكاتبها و ملابس زعمائها و معاشاتهم
و معاشات مريديها من الجماهير عن طريق الشعار و بمعية سلطان العروبة …
ثم تطورت هموم حماية الشعار حتى أصبحت فروعا و إدارات امنية و استخباراتية تعنى بالشأن القومي
على حساب الشك الدائم بالجماهير التي يستمر الحكم باسمها و يستمر المجتمع و المواطن السوري
في دفع فاتورة بقاء سلطته التقدمية التي ستحرر المزيد من الأرض بالمزيد من البيانات و المؤتمرات و الاجتماعات
كما تحرر الانسان السوري يوميا بالمزيد من القهر و الخوف الذي تحول إلى إذلال اعتيادي أفرز مناخا انتهازيا
يجعل المستفيد عروبيا و الانتهازي عروبيا أكثر من غيره بمعيار الشعار وحده ….
وباتت الصيغة المثلى لتهمة المواطن المتمرد على خوفه ( إضعاف الشعور القومي للأمة )
و بات حلم الجماهير باستيلاد المزيد من الشعارات الحماسية حاضرا و برهانا لفاعليتها في تحقيق المسيرات الحاشدة ….
فيخرج الموظفون و العاملون من كل المؤسسات ليحملوا المزيد من الشعارات المطلوب تحقيقها في الشوارع
بالأغاني و الدبكة و خلافه …. فيحققوها بحناجرهم و هتافاتهم التي تؤكد الولاء المطلق للخوف مع الولاء (؟!) للشعار المرفوع لضمان لقمة عيش الاولاد ….
هل نجري حسبة بسيطة نعدد فيها كم الشعارات التي رفعتها حركة التحرر العربية بأحزابها و حكامها
و نغربل و نصفي مفاهيمها و مدى الايمان الحقيقي بها من عدمه ثم نسأل عما تحقق منها و مالم يتحقق ؟!!
سؤال في غاية الصعوبة بعكس اجابته !!
– هل أفرزت هذه الشعارات إجماعا يشكل قانونا على الجماهير غير المزيد من السلطات القهرية على حساب معنى الشعار ؟!
سؤال في غاية السهولة بعكس اجابته !!
ألا تستحق مجتمعاتنا العربية أن ينظر لحياتها كيما نفهم حاجاتها قبل أن تفتح صناديق ذخيرة البلاغة السياسية
في وجهها فتطيح بحاجاتها الاساسية لتذهب نحو الحلم المشتهى
– أقاموا الوحدة عام 1958 و حققوا الحلم و غنوا له و أقاموا المتاريس الأمنية لتحميه من عدو الوحدة المفترض !!
فكان هو المواطن .
– أقاموا اتحادات الدول و الجمهوريات ثلاثية و رباعية و غيرها و حققوا الحلم و غنوا له و أقاموا المتاريس لتحميه ايضا من عدوه المفترض فكان هو المواطن .
هل استطاعت العروبة بكل ما افرزته من متاريس ان تحمي حياة و حاجات المجتمع العربي الاساسية كالامن مثلا !!!!!!
و اين السوري من كل تلك الحمايات التي كرست الخوف في بيته قبل الخبز !
في زمني
حاول الاسلاميون ان يكونو بديلا فلم يتمكنوا من اجتذاب الشارع و دخلوا في طواحين صراعات
كانت نتيجتها ان افرزت المزيد من الحصانة للعروبة مقابل المزيد من التشدد مع حاجة المجتمع للايمان …
و دخل الدين الاسلامي في اتون امتحان اصغر بكثير من قوته و اهميته و حجمه و ضرورته القيمية في المجتمع …
و صار الصراع على شكل الايمان في الواجهة و اكثر من الايمان نفسه حتى كأن الذي ينادي به حلا
سيستوفي لنفسه منزلة تكاد تكون مقدسة و قادرة ربما على التواطؤ مع الملائكة للكشف عن قلوب المؤمنين
و محاكمتهم على صدق ايمانهم من عدمه .
او حتى كأن الذي ينادي باسقاط الخيار الاسلامي سيتمكن من احترام الموروث الديني الذي لابد من الاعتراف بتخلفه ..
و هم لم يتمكنوا و لن يتمكنوا حتى من توحيد آذان الصلاة و جعله بصوت تقبله المدنية الحديثة كما يقبله التنوع القدري للمجتمع السوري .
– الخيار الاسلامي مسألة تاريخية معقدة و متداخلة و متشابكة و لا اعتقد أنه من السهل التعاطي بالخيار السياسي
مع المقدسات المتنوعة في سوريا تحديدا , و إن كان لابد من احترام المزاج العام الذي يتشكل بإندفاعة غريزية
عند جماهير المجتمع المسلم إذ لابد من الاعتراف بوجوده كمكون غير ثانوي للحياة السياسية الحرة و المسؤولة ..
ألم يدخل هذا الخيار (( المزاج )) في صلب أحزاب حركة التحرير العربي !! حتى أنه وصل إلى قيادته
بحيث بات الشارع العربي يعرف الأمين أو الرئيس لفرع هذا الحزب أو ذاك بالرفيق الحاج (؟) فلان الفلاني !!!
هو واقع إذن و من الخطأ الجسيم أن نقرأ في واقعنا أشياء و ننحي أو نضرب بعرض الحائط بأشياء اخرى!!!
و من زمن جدي .. و ما قبله !!
كان التنوير للأمة قائم على رجالات علمها و دينها معا , فهل اذكر امثلة أم ان قراءة التاريخ ايضا
صارت عدوا للشعارات التقدمية !!! و صار لابد من إقامة محاكم تفتيش و اعدامات حتى على رموز النهضة و التنوير…
و القاء التهم الرجعية و الدفع باتجاه تهم انكسار روح الأمة عند الكواكبي مثلا !!!!!!
وها هو زمن اولادي يشهد المواجهة التي لن تحسم … لطرفين يعتقدان بإلغاء احدهما للآخر ( العروبة ) و ( الاسلام )
و على الطرفان أن يدركا ان الاختلاف يجب ان يكون على قاعدة صلبة تحتم احترام الطرفين احدهما للآخر
و لكل مكوناتهما و ما قد يرشح عنهما ايضا ….
و أن تلك القاعدة الصلبة يجب أن تكون فوق الجميع دون استثناء …. القاعدة الوحيدة الممكنة و التي لا مناص و لا حل و لا وجود بدونها … هي سوريا
سوريا …. و بعقد اجتماعي جديد يتيح للشعب خياره و حقه بإقامة و حماية استقلاله و سيادته ….
صنوف كثيرة من انظمة الحكم مرت على الشام و جربت حكمها فكان أن قال التاريخ كلمته فيها … ( الشام تحكم من يحكمها )
في زمن اولادي
قامت قيامة الجيل .. لكنه ابتدء يفقد شيئا فشيئا تلك البوصلة التي لابد من اعادة اعتمادها لتكون قاعدة حياته الراهنة
و حامية مستقبل طموحاته مهما تنوعت .. ( سوريا )
يبحث جيل اولادي عن كرامة ضائعة و يرى بإم العين ذلك الفارق بين حريته على الارض و في الواقع
و بين حريته عبر التكنولوجيا التي تحكم يومه و التواصل و الانفتاح الذي ضرب المكون الحامي لشعارات الانظمة
حتى وصل الامر بجيل اولادي حدّ اتهامنا بالتقصير و الخنوع و الجبن ….
فبماذا نجيب !!!!؟؟؟؟
الم يكن يعبر عنا احد !!
لا يمكن الاجابة بالنفي فللسجون شواهدها كما للقبور !!!
– ماذا يمكن لزمني ان يقول لزمن اولادي ؟؟؟
لقد اتاح الانترنت لزمن اولادي حالة من التواصل الحر و المباشر لم تكن لنا و هذه الحالة خلقت
من فوضى افكارهم المتناثرة يمينا و شمالا بكل الانفلات ..
فوضى أخرى باتت ترشح ( دما ) لفرط حاجتها لقانون يؤسس لحركتها و تنظيمها …
و لعل انعدام التنظيم و السقوط الاخلاقي المدوي لكل مكونات المؤسسات التي تحكم مجتمعنا
تفعل فعلها في كل تلك الفوضى الدامية الحاصلة …
– و سوريا من يمثلها !!
و هل سيكون استحقاق تمثيلها جديرا بصاحبه ( ايا يكن ) ان لم يتمتع بثقة الناس عبر استمالتهم بالافعال لا بالاقوال !!!!
– و سوريا من يبنيها !!
و هل سيبنيها غير ابناءها و مواطنيها بثقافتهم المختلفة !!!
– و سوريا من يحميها !!!
و هل ستحميها سياسة بلا نظام و ضوابط !!!
– و سوريا من يكرس حريتها و كراماتها ؟؟؟
و هل ستكرس لها حرية او كرامة دون احترام التنوع !!!
-لزمن اولادي اقول :
من كل قلبي ارجو صادقا ان لا نخذلكم و نخذل حريتكم و كرامتكم …. دعونا نتحد

– عباس النوري

تعليقات الزوار

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *