الابن الخامس عباس النوري

دخلت بيت أهلي كعادتي متأخراً ..( أيام الشباب ) .. كل العائلة نائمة في البيت العربي الكبير في حارتنا العتيقةوالساعة تشير في يدي إلى الرابعة والنصف فجراً
هدوءُ وصمت يلفان أنحاء البيت .. وحدها الرهبة من إستيقاظ والدي كانت هاجسي وأنا في طريقي إلى غرفتي ..
وصلتني تمتمات خافتة بصوت أمي وهي تصلي الفجر في غرفة الجلوس .. توقفت
رأيت باب الغرفة ليس مغلقاًكما يجب فأكملت فتحه بهدوء لأرى أمي في ثياب الصلاة راكعة على السجادة وأمامها والدتها نائمة كأنها قبلتها بالصلاة ..
لم تلتفت أمي وأكملت إنسجامها مع صلاتها
وهممت بإغلاق الباب عليهما لولا أن لفتني منظر جدتي النائمة وقد وضع الغطاء عليها بشكل كامل … فتوقفت
أنهت أمي صلاتها وسلٌمت على الملائكة
( السلّام عليكم ورحمة الله )
ثم أغلقت القرآن الكريم الذي كانت قد وضعته مفتوحاً فوق جسد جدتي ..
قبلته ثلاث مرّات ووضعته على رأسها ثم إلتفتت لي قائلة بقوة وصبر أعجز عن وصفه
: توفت ستك وما بدي ازعج حدى
فوت نام حبيبي لنشوف شو الله بيكتب من هون للصبح …… انتهت القصة ..
وقعت هذه الحادثة عام 1989 وكنت خاطباً لزوجتي ..

جدتي لأمي عملت خادمة في بيوت الأكابر
والأغنياء لكنها ماتت أكثر منهم غنىً بإنسانيتها
كذلك أمي عملت في مصانع الريجي
بصناعة التبغ والتنباك وفي خياطة
العباءات وتطريزها وبنت مع والدي
أسرة كبيرة (11) ولد .. كانت ثلاث
أرباع سنواتها فقراً وتعباً وإنهاكاً
وصراعاً مع ظروف لاتنتهي تفاصيلها
ولازالت تقطر إيماناً وصبراً على كل شيء
.
ولازالت تحتفظ ببعض الأواني النحاسية التي أسست بها مطبخها بعد أن أشترتها من حر مالها

كل أمهات العالم لهن خصوصية ما !!!
وكلنا نتطلع إلى أمهاتنا وقد تملكنا
الإحساس العالي بالتقصيّر ووجوب
التعويض حباً بالرضى وإقتناعاً تاماً
بأننا عندما نصل إلى بعض الإحساس
بذلك نكون قد إتصلنا مباشرة برضى
النفس و رضى الخالق
أشهد الآن بأني لازلت مقصراً أمام
تعبها وصبرها وإبتساماتها الذكية

وأشهد بأن دعواتها كانت تحفزني
ولم تدفعني يوماً إلى الإتكال
وأشهد بأن كل دمعة منها كانت
ولازالت تؤلمني ولا ولن أعرف تعويضاً
مناسباً يكفيها. !!!!!وأشهد. وأشهد. وأشهد …
أن لاوجع لأي مرض واجهته أبداً
كوجع الأمان لأولادها …
أشهد بأنها المخلوق الأكثر جدارة
بالحياة ..
ولازالت الأواني النحاسية حاضرة كالأهرامات تذكر بالقدرة على الإنجاز والتحصيل
ولازالت كلمات جدي حاضرة فيها حين كان يقول ( أوعك تكبر بلا طعمة ..)
ولازالت الفاضلة (شفيقة)… شفيقةً بكل ما هو في حياتها … دونها !!!
الفاضلةأمي ?
أدامك الله مبتسمة وقوية وقادرة
على الأيام
كل عام وأنت بألف خير

الولد الخامس
عباس النوري

تعليقات الزوار

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *