إثبات نسب

((إثبات نسب))..(٢٠١٢)
( قصة واقعية حتماً )
وصلت لتوي عائداً من مطار بيروت بعد أن ودعت إبنتي التي سافرت لإكمال دراستها في الخارج..
جلست منتظراً فنجان القهوة المعتاد مع زوجتي عند كل وصول ..
فاجئني رنين الهاتف فأعدت الفنجان الى صحنه قبل تذوقه كي أجيب
– آلو
– مرحبا أستاذ .. كيفك ؟؟
– الحمدلله .. مين ؟؟
– أنا المحامي ( فلان الفلاني )..!!
– أهلاً وسهلاً
– فيه موضوع لازم نحكي فيه .. بس مو عالتلفون .. لأن الموضوع خطير وبيلزمو اجتماع خاص لو سمحت
– موضوع شوووو؟؟
– لا. اتطمن مو سياسة ،، بس مالو سهل عليك أبداً
– شووو يعني ما عم أفهم ؟؟!!!
– قلتلك ما بينحكى عالتلفون ..
– أغلقت الهاتف دون جدوى من فهم ٍ أو إجابة .. كانت المحادثة مقلقة ولم أتمكن من الإحاطة بأي شئ سوى بالقلق دون سواه
– وكان الكلام خلال المحادثة يخرج من فمي طافحاً بالأسئلة المضطربة والمستعجلة .. فيما كانت زوجتي تراقب توجساتي وإنفعالاتي فتدخلت بعد تفكير طويل وسريع
– مين هالمحامي ؟؟
– وشو بدو ؟؟
– شو فيه ؟؟
– وليش هالإصرار ليجتمع فيك ؟؟
– و و ..!!..؟؟
– و و؟؟؟؟؟
– قلت لم أفهم إلا إصراره على الاجتماع بي بشأن موضوع قال أنه لايحكى على الهاتف..
– وطبعاً زاد قلق المدام
– بالله شو فيه ؟؟ حاكي شي ..؟؟
– مصرّح شي تصريح هيك ولاّ هيك متل عادتك؟؟
– عامل شي؟؟؟
– لم أجبها إلابالمزيد من الحرج والاضطراب الذي وضعني فيه هذا الاتصال.. فألحّت عليي أن أعيد الإتصال بالرقم ذاته وشجعتني على الإصرار عليه لكي أفهم وطبعاً كي تفهم هي قبلي…
– المهم:
– اتصلت وقلت له (للمحامي )لن أجتمع بك قبل أن أفهم الضرورة والسبب أياً يكن ..!! حتى لو كان سياسة .. واليكم خلاصة الحديث:
– في دعوى مقامة ضدك يا أستاذ
– دعوى قضائية ؟؟؟
– تماماً .. وأنا وكيل المدعي عليك ووكيل عن الإدعاء أمام المحكمة الشرعية بدمشق
– ( وطبعاً كانت زوجتي تقاسمني الإستماع تماماً كرجال المخابرات،)
– وشو موضوع الدعوى ؟؟
– إثبات نسب
– إثبات شوووووو!!!؟؟؟؟
– إثبات نسب يا أستاذ … نسب نسب
– فهمني الموضوع اذا بتريد ،، نسب شو ولمين .. شو القصة ؟؟
– يا أستاذ أنا وكيل آنسة ومواطنة تقدمت بدعوى نظامية لإثبات نسبها لحضرتك بصفتها بنتك….
– بنتي ؟؟؟ بنتي أنا ؟!؟؟؟
– نعم
– اتفقت على اللقاء به في يوم الغد .. وانتهت المحادثة بالاتفاق على موعد الاتصال غداً لنحددمكان اللقاء لأني رفضت الحضور الى مكتبه …. وعلى أساس أن تحضر معه صاحبة الادعاء والمدعية أنها ( إبنتي )..!!!!
– اتصلت بصديق ٍ لي هو الدكتور (م ح )وهو من أهم مدرسي القانون والحقوق في سوريا وفهم صديقي القصة وطلب مني احضارهم الى مكتبه ( المدعية والمحامي )…ولأول مرة في حياتي أذهب الى موعدٍ مع المجهول
– وصل المحامي وبرفقته فتاة في ريعان الصبا وقد إرتدت لباساً كثير الإحتشام لدرجة ٍ بدت فيه وكأنها طالبة في كلية الشريعة أو ممن يدعون قبيسيات .. حملقت بالفتاة التي احتل الخجل والوجل ملامحها بالكامل وكانت نظراتها لاتفارق الأرض وهي تجلس بجانب المحامي الشاب (؟؟)…….. بادر المحامي بالكلام وأعاد ذات الحديث أمامها وبقيت أنا صامتاً أنظر وأتفحص في ملامحها والأفكار تقتلعني من شك لترميني بشكوك أكثر ..
– وأخيراً. نطقت فقلت لها :
– لاحرج في كل ما يقوله المحامي بلسانك ولكن هل تعرفين عواقب التلاعب بي وبالقانون وخصوصاً في هكذا إدعاء .؟؟؟… أجاب عنها مباشرة :
– هي جاهزة لكل شئ يا أستاذ..
– طيب ..سنجري فحص DNA والنتيجة ستحسم الموقف .. لكن الأمر لن ينتهي بهذا الشكل على الاطلاق :
– فأنتم ترمونني بإتهام خطير يسيئ لي ويعرضني لحديث الناس بطريقة غير لائقة .. عدا عن كل ما سيصيب عملك كمحامي من ضرر أكيد ومستحق..هل انت مستعد لذلك؟؟..
– قال نعم
– حسناً ليكن بمعلومك انك جعلت من هذه الفتاة ضحية لأفكار عملك المريضة .. وعليك ان تنتبه الى انني سأتولى حمايتها من هذه اللحظة ..
– مسحت الفتاة دموعاً غزيرة كانت قد اندفعت من تحت النظارة السوداء . .. ولم تهمس ببنت شفة ..
– وهنا وصل الدكتور ( م ح ) … ورحب بهما في مكتبه .
– والمحامي الشاب انتبه الى أنه في مكتب أستاذه في هذه اللحظة .. فأخذته المفاجأة وتلعثم أمام الدكتور فيما اكتفى الدكتور بإعادة الترحيب به من جديد قائلاً :
– يا ابني أنا أفهم طمعك وطمع غيرك من الشباب الخريجين حديثاً.. ومشكلتك بالادعاء على الاستاذ لاغبار عليها لا شكلاً ولا مضموناً.. ولن أسألك عنها أبداً.. سؤالي فقط عن هذه الفتاة ..
– هل ستفهم ماذا سيؤول اليه حالها بعد فشل ادعاءك وهو فاشل حكماً ؟؟
– ( سكت المحامي الشاب )..
– وسألت الفتاة عن الحكاية وكيف تعرف بأنني والد لها ؟؟؟ فقالت :
– من زمان كنت طفلة في دار زيد بن حارثة مع غيري من الأطفال اللذين دفعتهم ظروف أهلهم للإجرام بنا..وكنت با استاذ تقوم بزيارات عديدة للدار وشاهدتك اكثر من مرة وصرت اراك على شاشة التلفزيون وأحببتك جداً..
– وبعدين ؟؟
– بعدين صرت كبيرة وأخذتني العاملة والمشرفة على جناحنا في الدار الى بيتها في القلمون وربتني واعتنت بي وبذلت كل ما في وسعها لتعليمي ودراستي الله يرحمها..
– والآن ؟؟
– الآن انا في طريقي لايجاد وظيفة كي أعيش… وتذكرت احاديث المشرفة عن الاستاذ وكيف كان يتردد ويخصني انا بالذات بالهدايا والألعاب والأكلات الطيبة لدرجة صارت تشك بأنني سبب زياراته المتكررة ولابد انني ابنته ؟؟ ..
– يعني لا إثبات لديك تقيمين عليه الإدعاء؟؟؟؟
– لا .. ( وصمتت ؟؟)
– وصمت أنا بدروي أيضاً لا لحرج الموقف بل لثقل النطق و الكلام والتعبير.. فماذا نقول ؟؟؟
– ومرّ صمت ساخن لا يمكن احتمال زمنه ولا يمكن حصره بزمن مهما كان ضئيلاً
– ثم خرجت برفقة المحامي الشاب تقصد طريقاً مجهولاً آخر ..وهي تحمل صمتها الذي لا أشك بأن قاسيون فد سمعه وبوضوح أكيد..
– سألني الدكتور :
– هل تريد رفع دعوى إساءة ؟؟..
– طبعاً لا .. كل تفكيري قد انحصر بالفتاة وحدها .. ولست مهتماً لكل مشاكل القانون مع هذه الحالة التي تشبه المستحيل ..
– خرج المحامي الشاب مخذولاً يحمل في رأسه قلق مستقبله فقط ولابد أن ينتهي قلقه مع فرصة دعوى جديدة قادمة… ولكن ماذا عن الفتاة ؟؟
– هي تحلم بأب …( أب )…فقط لاغير
– في البيت قالت زوجتي :
– ليكن بمعلومك لقد تجهزت لإعتبار نفسي أمها ولو كلفني ذلك أي شئ .. لا يهم ،، والبقية عند وجدانك ………..!! القصة كانت قد بدأت منذ عشرون عاماً وكنا نسكن على مقربة من دار اللجوء في برزة ( زيد بن حارثة ).. وكنت مع زوجتي نتشارك الأفكار لتحقيق حكايا وقصص درامية من قلب الواقع الاجتماعي لحياتنا وسبق أن راجعنا ملفات شرعية واجتماعية من محاكم القصر العدلي بدمشق ……. ووقفنا عند أكثر من حالة تتداخل فيها الحكايا والقصص بطريقة شائكة لدرجة لايمكن حتى تصديق حصولها ….
– طفل أو طفلة وجدت أمام باب لجامع أو كنيسة أو . أو … وبعمر الساعات أو الأيام .. هذه هي بداية الحكاية التي دخلنا بشراكها مع الدراما المقترحة للكتابة مع زوجتي … وكان لابد من المصداقية في المعالجة الواقعية للأحداث الللاحقة …
– واضطررت للذهاب الى دار اللجوء للوقوف على كيفية التعامل مع الحالات التي تصلهم ..
– كيف تصلهم ؟؟
– وهل من حلول اجتماعية عبر القوانين ؟؟
– وغير ذلك من الأسئلة التفصيلية ..
– وكان ترددي للاطلاع والتعايش والفهم قد جعل من علاقتي بالمكان علاقة ضرورية لفهم حالة الأطفال ( الضحايا ) .. قبل أي شئ،،،،،،،،، وقد أبديت اهتماماً بالجميع دون استثناء لكن مشاعر الطفل تبقى ملكه وحده وسامح الله المشرفة والمربية التي أخذت تلك الفتاة لرعايتها في بيتها عندما كبرت .. لأنها دون قصد أو دون وعي قد ساهمت في إنشاء حلم الأبوة عندها موجهاً نحوي وبشكل شخصي ولقد ساهم ظهوري أمامها على الشاشة بكل تأكيد في تكوين حلمها أمامها مع سهرات المسلسل اليومي الذي كنت أظهر فيه….ولا أشك بالنوايا وأجزم ببراءتها حتماً.. لكنني وقعت في أسر اللحظة التي باتت تعادل عندي دهراً بحاله…
– والآن يعلم الله ماالذي حلّ بتلك الفتاة ولا أشك أبداً في أتها قد حملت خزياً صعباً وقاسياً بفضل طمع محامي شاب صار لطموحه رعونة ووحشية العجلة والاستعجال نحو مستقبل سيطفح بالإبتزاز والنصب والتزوير والاحتيال
– ليس فقط على حساب العدل والحق ..!! بل على حساب الإنسانية قبل أي شئ …
– وأختم بالتساؤل :
– من الذي كان أكثر ارتكاباً بحقها..؟؟؟
– أنا ؟؟
– والدها أو والدتها الحقيقيين ؟؟
– المحامي الأرعن ؟؟؟
– أم من ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
– وهل من قانون يحمي نسب الضحايا من ظلم الفهم الجامد للتشريع ؟؟؟
– ملاحظة :
– اطلعت على نماذج أصعب من حكايتي في مجتمعنا ما بعد الحرب …!!!!!!!
– ألم يحن الوقت للجراة كي ننظر في التشريع والقوانين التي تحكم حياة أجيالنا..!!!!!!!!❓
– أليسو جميعاً أولادنا وأولاد مجتمعنا بشكل ٍ أو بآخر ❓
– ✍🏻 عباس النوري

تعليقات الزوار

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *